عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
60
الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )
ولا يأكلوها ، فهم لا يأكلون حيوانا ولا يقتلونه ولو أذاهم ، ولا يأكلون ما يؤول إلى الحيوان كالبيض ، ثم امتنعوا من قطع الأشجار لما فيها من النمو زعما أن لها روحا وأن النمو إنما هو بواسطة الروح . وقد رأيت في بلادهم شجرة إذا قربت إليها لتمسكها تنقبض أوراقها أو تنكمش كأنها ذات روح . على أنه عند المحققين ما في الوجود شيء من المحسوسات إلا وهو ذو روح سواء كان معدنا أو نباتا أو حيوانا أو غير ذلك لأن اللّه تعالى يقول : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] ولا يصح التسبيح إلا لمن له روح ، فكل شيء له هذه الروح التي هي مشهودة للمكاشف ومخاطبة له ، وتسبيحها على أنواع بانت عجيبة من وجوه كثيرة ، فسبحان من يسبحه كل شيء بكل لسان . واعلم أن النباتات برزخ بين المعدنية والحيوانية ، لأن المعدن جامد على حال واحد ، والحيوان متحرك بالإرادة ، والنباتات برزخ بينهما لأنه يتحرك بالاختيار فهو جماد بنظر وغير جماد بنظر ، فافهم . المرتبة التاسعة والثلاثون الحيوان من مراتب الوجود وهي الحيوان ، وحدّه العقلاء بأنه الجسم النامي المتحرك بالإرادة ، وهو عندنا عبارة عن الروح الممتزجة بالجسم لا غير ، فلو مزق الجسم وتلاشى وظهرت روحه في العالم بحسب تلك الصورة التي كانت الروح ممتزجة بجسدانيتها ، سمّينا ذلك الروح حيوانا على حسب ما هي عليه تلك الصورة إما فرس وإما إنسان وإما غير ذلك من أنواع الحيوانات . واعلم أن الحياة على خمسة أنواع : النوع الأول : حياة وجودية وهي سائرة في جميع الموجودات علويها وسفليها ، لطيفها وكثيفها ، فكل موجود من أنواع الموجودات علويها له من هذه الحياة الوجودية حياة ، وهي عين وجوده ، وذلك ما تسميه الطائفة بالوجود الساري في الموجودات . النوع الثاني : حياة روحية وهي الحياة الملكية لسائر الموجودات في العالم الروحاني بالأصالة ، ولهذا كانوا باقين ببقاء اللّه تعالى لهم ، لأن الروح من حيث هي روح حياة محض ، وهو مناف للممات والهلاك ، وما ورد من زوال الملائكة بالصعق يوم الفناء الأكبر إنما هو بوجه واعتبار لا من كل الوجوه ، فافهم . وهذه الحياة الروحية للحيوانات منها نصيب فهي لهم بحكم التبعية فليس لهم عقل معاشي ، ولهذا زالت عنهم الحياة الدنيا وبقيت لهم الحياة الأخروية ، وبقاء كل من الحيوانات في الدار الآخرة بحسب حياته ، فمن كانت له حياة كاملة كالإنسان والجان بقي في الدار الآخرة ببقائها موجودا عيانا تاما كاملا ، ومن كانت حياته ناقصة كان موجودا فيها